الذهبي
167
سير أعلام النبلاء
وتتعب فيما سوف تكره غبه * كذلك في الدنيا تعيش البهائم ( 1 ) قال يحيى بن سعيد القطان : ما رأيت مثل مسعر ، كان من أثبت الناس . وقال سفيان الثوري : كنا إذا اختلفنا في شئ أتينا مسعرا . قال أبو أسامة : سمعت مسعرا يقول : إن هذا الحديث يصدكم عن ذكر الله ، وعن الصلاة ، فهل أنتم منتهون ؟ قلت : هذه مسألة مختلف فيها : هل طلب العلم أفضل ، أو صلاة النافلة والتلاوة والذكر ؟ فأما من كان مخلصا لله في طلب العلم ، وذهنه جيد ، فالعلم أولى ، ولكن مع حظ من صلاة وتعبد ، فإن رأيته مجدا في طلب العلم ، لاحظ له في القربات ، فهذا كسلان مهين ، وليس هو بصادق في حسن نيته . وأما من كان طلبه الحديث والفقه غية ومحبة نفسانية ، فالعبادة في حقه أفضل ، بل ما بينهما أفعل تفضيل ، وهذا تقسيم في الجملة ، فقل - والله - من رأيته مخلصا في طلب العلم ، دعنا من هذ كله . فليس طلب الحديث اليوم على الوضع المتعارف من حيز طلب العلم ، بل اصطلاح وطلب أسانيد عالية ، وأخذ عن شيخ لا يعي ، وتسميع لطفل يلعب ولا يفهم ، أو لرضيع يبكي ، أو لفقيه يتحدث مع حدث ، أو آخر ينسخ . وفاضلهم مشغول عن الحديث بكتابة الأسماء أو بالنعاس ، والقارئ إن كان له مشاركة فليس عنده من الفضيلة أكثر من قراءة ما في الجزء ، سواء تصحف عليه الاسم ، أو اختبط المتن ، أو كان من الموضوعات . فالعلم عن هؤلاء بمعزل ، والعمل لا أكاد أراه ، بل أرى أمورا سيئة . نسأل الله العفو .
--> ( 1 ) في الأصل : " تنعت " ، والتصحيح من " تاريخ " المؤلف : 6 / 288 ، و " الحليلة " : 7 / 220